Bölüm anahatları
-
كثير من المتشائمين يؤكدون انه لا مستقبل للصحافة الورقية وأن العالم يشهد ثورة فى الإعلام سوف تتغير معها كل أساليب التواصل.. إن اخطر ما فى هذه المتغيرات أن الإعلام التقليدى سوف يختفى ابتداء بالصحافة الورقية وانتهاء بالكتاب.. وفى تقديرى أن التكنولوجيا الحديثة فى الإعلام سوف تترك آثارا بعيدة على الصحافة الورقية وقد بدأت هذه الشواهد..
< إن طغيان وسائل التواصل الاجتماعى وتأثيرها المخيف يمثل تهديدا حقيقيا للإعلام التقليدى فى كل المجالات.. إنها الآن الأسرع فى إذاعة الأخبار والأحداث بالصوت والصورة.. وهى قادرة على أن تنقلك فى نفس اللحظة إلى كل ما يجرى فى العالم وهنا لن ينتظر احد الصحيفة فى اليوم التالى لكى يتابع الأحداث ويعرف الأخبار.. إن الشيء الغريب أن مواقع التواصل الاجتماعى والمواقع الإخبارية لم تعد فقط تنقل الأحداث ولكنها تصنعها.. بل إن الحكومات فى العالم تخشى من تأثير هذه المواقع فى صناعة الأحداث..
< إن الرأى العام يحتشد من خلال هذه المواقع ويفرض مواقف وقرارات وهذه كلها ظواهر جديدة كانت على حساب الصحافة الورقية وغيرها من الوسائل التقليدية.. وهنا يتساءل البعض ماذا سيبقى من دور الصحافة الورقية أو الكتاب وكيف تحافظ الدول على ما بقى لديها من هذه الوسائل.. إن المؤكد أن الكتاب لن يسقط عن عرشه ببساطة لأنه الوثيقة التى يصعب على الإنسان أن يفرط فيها.. قد يأخذ أشكالا جديدة غير الورق من خلال التكنولوجيا الحديثة ولكنه سوف يبقى من حيث الأهمية والتأثير.. أما الصحيفة فلابد أن تتغير فى شكلها ومادتها..
<إن صحافة الرأى والإبداع والتحليل والبعد الذاتى والحقائق سوف تبقى من حيث الأهمية فى الصحافة الورقية.. إن هذه المواد يمكن أن تتوافر فى الوسائل الحديثة ولكنها لن تسقط فى وسائل الإعلام التقليدى سوف يبقى الكتاب الورقى وتبقى الصحيفة.. ولكن كيف تقدم المواد التى يريدها القارئ.. كيف تحافظ على أقلام كتابها وتضيف لهم أسماء جديدة.. كيف تنقل الصورة القلمية يخطها قلم مبدع.. وكيف تقدم قراءة حية للأحداث وكيف تعالج قضايا الإنسان..
< إن كورونا وباء اجتاح العالم وهناك خسائر بشرية فادحة ويمكن أن تعالج من زوايا كثيرة.. إنها ظاهرة مرضية وكارثة إنسانية والبعض يراها عقابا من السماء بينما هناك من يرى عالما جديدا بعدها.. إن هذه الجوانب يمكن أن يتعامل معها الإعلام التقليدى بقدر من الوعى والتحليل وما أكثر الظواهر الكونية التى يمكن إن تجد لها مكانا فى الإعلام التقليدى ولهذا فإنه من الصعب أن يفرط الإنسان فى الكتاب او الصحيفة فما أكثر المتغيرات التى مرت بها الإنسانية ولكن بقيت بعض الثوابت كان من الصعب التخلى عنها..
< إن اخطر ما يواجهه العالم الآن هى وسائل التواصل الاجتماعى.. إن كل إنسان الآن يمتلك محطة فضائية يمكن أن يكتب فيها ما يريد ابتداء بنشرة الأخبار يكتبها كما يريد ويطلق منها الإشاعات كما يحب.. وما أسهل أن تنطلق حشود بشرية وتقرر أشياء وترفض أشياء أخرى.. إن هناك من يتنبأ بأن تجرى الانتخابات بكل أشكالها من خلال وسائل التواصل الاجتماعى.. وفى دولة مثل أمريكا يمكن أن تجرى الانتخابات الرئاسية بعد أربع سنوات من خلال الموبايل هذا الساحر العجيب..
< إن التحدى الأكبر الآن بين السلطة ومواقع التواصل الاجتماعى إن سلطة القرار لا تملك شيئا أمام هذه المواقع لأن كل موقع يعتبر نفسه دولة مستقلة والسلطات الحاكمة لا تملك الحق فى مواجهة هذا السيل البشرى المندفع بأخباره وشائعاته وصوره وتقلباته أنها العدو القادم..
< إن كل إنسان الآن ليس فى حاجة لأن يشاهد التلفزيون لأنه يملك شاشته الخاصة.. إن ظاهرة مطربى الشوارع اشتعلت كالنيران على مواقع التواصل الاجتماعى وأصبح من السهل أن تجد أرقاما بالملايين فى انتشار أغنية وتتحول بين يوم وليلة إلى أرقام خيالية.. وبقدر ما ساعدت التكنولوجيا الحديثة فى التواصل بين شعوب العالم بقدر ما نشرت نماذج سيئة لفنون هابطة.. ولم تتوقف الظاهرة عند الفن الهابط فقط فقد أصبح من السهل نشر الإبداع الهابط شعرا ونثرا وفنونا..
< إن التكنولوجيا قربت المسافات ولكنها شوهت كل الأشياء وأصبح من حق أى مغامر أن يجلس أمام العالم ويفسد كل شيء.. إذا كانت هذه المواقع قد شوهت الفنون وكل أشكال الإبداع فقد لعبت دورا فى تشويه الأديان.. وكان من السهل أن تشتعل المعارك الكلامية فى هجوم ضار على قدسية الأديان.. نحن أمام مليارات البشر الذين يملكون الآن منصات فضائية بآلاف الأصوات واللغات والكوارث.. وهنا لا يستطيع احد أن يضع حدودا لأى شيء.. لقد اختلت كل الثوابت فى حياة البشر كانت هناك ثوابت للإبداع والآن لا توجد ثوابت لأى شيء وكانت هناك ضوابط تحكم السلوك والأخلاق والآن لا ضوابط لأى شيء وأمام حالة الانفلات التى يعيشها العالم لا احد يعلم ماذا يحمله الغد..
< أعود من حيث بدأت عن مستقبل الصحافة الورقية ومصير الكتاب فى ظل هذا العالم الجديد الذى يتخلى عن كل الثوابت التى قام عليها تاريخ البشرية وفى كل يوم مفاجآت جديدة.. إن التكنولوجيا أمامها مشوار طويل لم تتضح صورته بعد وقد يحمل من المفاجآت الكثير وعلينا أن نستعد لذلك كله.. وإن بقى السؤال هل تبقى الصحيفة ويبقى القارئ الذى ارتبط بها كل سنوات عمره.. وهل يبقى الكتاب هذا الصديق الدائم أم أن الأجيال الجديدة سوف تعيش عالما جديدا يختزن كل شيء فى هذا الساحر العجيب.. وماذا لو احترقت الشاشة أو انقطع التيار الكهربائى أو سقط فى المياه وقبل هذا كله هل يتخلى الإنسان عن عشقه القديم للكتاب أو الصحيفة وماذا يفعل إذا وجد نفسه أمام ساحر جديد لم يظهر بعد..
< الخلاصة عندى أن البشرية أمام مستقبل غامض تصور فيه الإنسان انه ملك كل شيء وفجأة اكتشف انه أمام تحديات كونية لم يستطع أن يصل إلى أسبابها وظواهرها.. إن كورونا هذا الكائن الضئيل غـيّر حسابات كثيرة لا أقول انه أسقط التكنولوجيا من عرشها.. ولكن المؤكد انه غير حسابات كثيرة فيما ينتظر العالم من التحديات.. لقد اسقط ثوابت كثيرة فى الطب والأمراض والدواء واسقط ثوابت أكثر فى علاقة الإنسان بما يحيط به من الظواهر وأصبح لزاما عليه أن يقرأ ما حوله قراءة أكثر وعيا..
<ويبقى السؤال هل يتخلى الإنسان عن تاريخ طويل من الثوابت التى عاش عليها ويترك أجياله القادمة لهذا الشبح القادم الذى يسمى التكنولوجيا أم إنها مجرد عاصفة سرعان ما تهدأ وتعود الإنسانية أكثر رحمة وإبداعا.. سوف يطول الحديث عن غياب الكتاب والصحيفة ولكن الغياب الأخطر هو غياب الإبداع الحقيقى والفن الجميل وتاريخ طويل من التراث الإنسانى الرفيع.. قد يبقى دور الصحافة ويبقى دور الكتاب ولكن المشكلة فى الأجيال الجديدة التى لن تحفظ شيئا من تراثها القديم..
<إن الإنسانية تشهد تحولات خطيرة فلم يعد السلاح هو القوة ولكن الإعلام هو الأقوى.. ولم تعد قدرات الشعوب بما تملك من التراث ولكن بما تملك من أدوات العصر من العلم والتقدم.. وعلى العالم أن ينتظر كل يوم مفاجأة جديدة ينطلق منها نحو آفاق لم يعرفها بعد وإن كانت قادمة لا محالة..
