Bölüm anahatları
-
Abbasiler, İsmini Hz. Muhammed’in amcası Abbas b. Abdülmuttalib b. Hâşim’den alırlar. Bu hânedana ilk atalarına nisbetle “Hâşimîler” de denilmektedir.
İslâm dünyasında Emevîler’in yerine Abbâsîler’in yönetimi ele geçirmesiyle idarî, askerî, siyasî ve ilmî sahalarda çok büyük değişiklikler olmuş, Abbâsîler’in iktidara geldikleri 750 yılı, İslâm tarihinin en önemli dönüm noktalarından birini teşkil etmiştir. Abbâsîler’in iktidara gelmesi, Emevî idaresinden memnun olmayan grupların lider kadrolarının temsil ettiği ve öncülüğünü yaptığı yoğun bir propaganda ve teşkilâtlanan büyük bir kitlenin faaliyeti neticesinde mümkün olmuştur. Emevî halifelerinin bir asır kadar devam eden idarelerinde benimsedikleri siyasî görüşler ve yaptıkları uygulamalar, geniş bir sahaya yayılmış bulunan İslâm toplumu içinde çeşitli gayri memnun unsurların ortaya çıkmasına ve sonunda Emevî hânedanının yıkılmasına yol açmıştır.
Arap edebiyatı araştırmacıları Abbasiler dönemini dil ve edebiyat açısından birinci ve ikinci olmak üzere ikiye ayırırlar. Didaktik şiirin ortaya çıkışı birinci dönemin; bu şiirin gelişme göstermesi de ikinci dönemin önemli edebî özelliklerinden biridir. Fabl, dil, edebiyat, din, astronomi, tarih ve ahlâk gibi değişik konuların ezberlenmesini kolaylaştırmak için nazmedilen öğretici şiirlere didaktik şiir denir. Arap edebiyatında bu şiir türüne genellikle “eş-şi’ru’t-ta’lîmî” adı verilir. Bu makalenin amacı didaktik şiirin Abbasiler döneminde ortaya çıkışı ve gelişimini, bu şiiri temsil eden ünlü şair ve ediplerin kimler olduğunu ve araştırmacılar tarafından bunların şiirlerinden hangilerinin didaktik sayıldığını tespit etmektir
Abbasiler dönemi, Arap unsurundan ziyade Arap, İran ve Türk unsurunun ağır bastığı siyasi, sosyal ve kültürel açıdan paydaş bir medeniyet tezahürü şeklinde tarihe mal olmuştur. Özellikle Üçüncü Abbasi asrı diye nitelenen evresinde her ne kadar sistemleşen bir devlet idaresi anlayışından dolayı nesir ve onun alt kolu olarak kitabet sanatı ağır basıyor gibi görünse de şiirin ikinci plana atıldığını söylemek mümkün değildir. Çünkü böyle bir algının oluşmasında en önemli faktör nesir ile şiir türünün iç içe geçmiş olmasıdır. Hâlbuki bu iç içe duruma rağmen hiçbir zaman nesir şiiri gölgelememiş aksine Üçüncü Abbasi asrı şiiri geçmiş dönemlere oranla hem şiir konusu hem de şiir türü bakımından büyük gelişme göstermiştir. Özellikle tasvir şiiri alanındaki konu genişlemesi ve tasavvuf, hikmet ve felsefe şiirleri bağlamındaki tür artışları Üçüncü Abbasi asrı şiiri açısından dikkate değer hususlardan biridir.
لم يكن هيناً على الأمويين أن يحتفظوا بملكهم طويلاً بعد عصر الخلفاء الراشدين وذلك بسبب الثورات المتلاحقة التي كانت تنشب في وجههم وتنازعهم الحكم ولاسيما ثورات الخوارج والشيعة والزبيريين. ثم كانت ثورة العباسيين سنة 132هـ/750م آخر حلقة في سلسلة تلك الثورات التي أنهكت دولة بني أمية وآلت إلى القضاء عليها.
كان في مقدمة ماتطلع إليه بنو العباس التمركز في حاضرة جديدة بعيداً عن دمشق موطن الأمويين، وفي منأى عن الكوفة معقل الشيعة، وقد آثر الخليفة الثاني أبو جعفر المنصور لذلك موقع قرية على دجلة تدعى بغداد على مقربة من مدينة بابل القديمة، واتخذها عاصمة لملكه وأطلق عليها لقب دار السلام مقتبساً ذلك من القرآن الكريم. وانصرف المنصور إلى إعمار حاضرته على خير وجه، فابتنى فيها القلاع والجسور، وأقام حولها الأرباض والسدود، ونشر في ربوعها الشوارع والأسواق. ثم ما لبثت المدينة أن عمِّرت بمئات المساجد والمكتبات، والأسواق والمنتزهات، فأمها العلماء والأدباء، والمهندسون والصناع. ثم تعاظم شأن بغداد حتى بلغت في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، أوج ازدهارها، وغدت أهم مركز حضاري في العالم، وأصبحت مقصد الحركة الفكرية والعلمية والأدبية بلا منازع.
وقد ظلت في البادية حتى ضحى هذا العهد ترفد المدن والحواضر بمواد اللغة والأخبار، والخطب والأشعار، بوصفها موطن الأصالة ومنبع الإبداع. ثم أخذ الرواة واللغويون ينتشرون في حواضر العراق ويتجمعون في مدنها، حتى اكتظت بهم الكوفة والبصرة فضلاً عن بغداد. وفي هذه المراكز العلمية والأوساط الأدبية قامت حركة تدوين رائدة لم يكن لمثلها نظير. فنشط الرواة وكثر المؤلفون وراجت سوق الوراقين. وقد واكب ذلك على صعيد الأدب نبوغ عدد من الشعراء والكتَّاب الذين احتضنتهم هذه المدن، واتسم نتاجهم المنظوم والمنثور بكثير من ملامح الجدة والطرافة.
وما من ريب في أن الاستقرار السياسي، ولاسيما بعد انقضاء طور الفتوحات والقضاء على الفتن، قد ساعد على الالتفات إلى شؤون الأدب والعلم وقضايا الفلسفة والفكر، وجعل الظروف ملائمة لتدفق العطاء وتفجر الإبداع. وكان من المعهود أن يولي الخلفاء كل ذلك اهتمامهم ويحرصوا على تشجيع ذوي المواهب، يعينهم على ذلك ثراء كبير تجمع في خزائنهم من موارد البلاد الواسعة. بل إن من الخلفاء أنفسهم من كان معروفاً بميله إلى الأدب وحبه للعلم مثل المهدي والرشيد، والأمين والمأمون، والمعتصم والمتوكل. كذلك سار أمراء بني العباس وولاتهم ووزراؤهم على غرار خلفائهم، فكان لكل منهم بلاط يقارب بلاط الخليفة أو يضارعه، من مثل ما كان لآل برمك، وطاهر بن الحسين، وعبد الله بن طاهر، ثم الصاحب بن عبّاد وابن العميد وعضد الدولة والمهلبي وسيف الدولة الحمداني.
شهدت بواكير العصر العباسي نبوغ عدد وفير من الشعراء المبدعين الذين اتسمت أشعارهم بملامح الجدة وانطوت على رواء الحداثة، وبدا جلياً أن الغلبة لم تعد لمنازع القديم ونماذجه الموروثة، وهكذا أخذت الأنظار تتجه إلى بشار بن برد و أبي نواس و أبي العتاهية و مسلم بن الوليد و الحسين ابن الضحاك و علي بن الجهم وأمثالهم ممن فاضت قرائحهم بشعر جديد بات مهوى أفئدة الجيل. وقد تجلى هذا الانعطاف على لسان أبي عمرو بن العلاء (ت154هـ/770م) وطبقته المحافظة من الرواة واللغويين الذين كانوا قيمين على حركة النقد والتأليف حين قال: «قد حسن هذا الشعر وكثر، حتى لقد هممت بروايته».[2]
ثم توالى ظهور الشعراء النوابغ في العصر العباسي المديد، ومنهم أبو تمام و البحتري و ابن الرومي و ابن المعتز و دعبل. ومن بعدهم أبو الطيب المتنبي و أبو فراس الحمداني و الشريف الرضي و أبو العلاء المعري وسواهم، وارتقت أساليب التعبير وعرف الشعر العربي أزهى عهوده.
اقترن شعر المديح بالموقف السياسي في العصر الأموي، حين كان للخليفة شعراؤه الذين يمدحونه وينالون عطاياه، بقي الحال على هذا الغرار في ظل الحكم العباسي، فاصطنع خلفاؤه شعراء موالين لهم لزموهم في حلهم وترحالهم، وخصوهم بمدائحهم وذادوا عن حقهم في حكم المسلمين. وقد ظهر في عهد الخلفاء الأوائل عدد وفير من هؤلاء الشعراء مثل بشار و أبي العتاهية و السيد الحميري و أبي نواس و الفضل الرقاشي و سلم الخاسر و أبي دلامة و مروان بن أبي حفصة و مطيع بن إياس و أشجع السلمي و منصور النمري. وقد فاق الخليفة المهدي سلفيه في تقريب الشعراء وإكرامهم، فأكثروا فيه القول وغالوا في الثناء.
ومضى الخليفة هارون الرشيد بعد ذلك إلى مدى أبعد في رعاية الشعر وتقريب الشعراء طوال حكمه القوي الزاهر الذي دام اثنتين وعشرين سنة. ويقول الرواة إنه لم يجتمع بباب أحد ما اجتمع ببابه من الشعراء، ومن مداحه ابن مناذر و أبو الشيص و مروان بن أبي حفصة و العماني و مسلم ابن الوليد وربيعة الرقي.. فضلاً عن أبي العتاهية وأبي نواس وسلم الخاسر، وأصبح لإطراء الممدوح حيز أكبر لدى شعراء هذا العصر.
وقد غاص عدد من الشعراء عهدئذ في حمأة السياسة وخاضوا بشعرهم معركة ولاية العهد بني الأمين و المأمون، فانتصر بعضهم لهذا وبعضهم لذاك في قصائد تداخلت فيها المعاني المدحية والآراء السياسية.
كذلك ظل الشاعر في العصر العباسي حريصاً على رسم الخصال الرفيعة والقيم المثلى في شخصية الممدوح، إذ ما زالت سجايا الكرم والشجاعة، والحلم والحزم، والنجدة والمروءة، والعفة والشهامة، موضع إجلال المجتمع العربي الإسلامي. ومضى الشعراء يبدون أضرب البراعة والفن ضمن هذا الإطار الرحيب من الصفات الأصيلة المثلى. وكان ما قام به خلفاء بني العباس وقادتهم وولاتهم من جلائل الأعمال، وتصديهم لخصوم الدولة المتمردين عليها في الداخل، ولأعدائها المتربصين بها في الخارج، خير ما أثار قرائح الشعراء وأذكى مدائحهم بعناصر البطولة والبأس. وقد تجلى ذلك لدى الشاعر أبي تمام (ت231هـ/846م) الذي ارتفع ببعض قصائده إلى مستوى يقارب الملاحم، وآخى فيها بين شعر المديح وشعر الحرب، مقدماً بذلك للأدب العربي نموذجاً جديداً متطوراً من الشعر الحماسي الأصيل.
وعلى هذا الغرار مضى أبو الطيب المتنبي (ت354هـ/965م) بعد قرون من الزمان، مشيداً بانتصارات سيف الدولة الحاسمة ومعاركه المظفرة في قتال دولة الروم المتاخمة.
غير أن موضوع المديح لم يبرأ من بعض العيوب التي شابتها في هذا العصر، وفي مقدمتها المبالغة والتهويل، فلم يعد ما قاله الأوائل مثلاً في صدد شعر زهير بن أبي سلمى من أنه «لم يكن يمدح الرجل إلا بما فيه» منحى مطلقاً، بل أسرف الشعراء على أنفسهم في ذلك، وغالوا أحياناً في إسباغ الصفات الخارقة على ممدوحيهم.
ومن هذا القبيل قول أبي نواس في الخليفة الأمين:
وأخفـت أهــل الشــرك حتى إنــه لتخافــك النطـف التي لــم تخلق
أما الهجاء، وهو الغرض الذي يقابل عادة غرض المديح، فقد انعطف في مساره عما كان عليه في العصر الأموي، فخفتت فيه نزعة تحقير الخصم بسبب وضاعة أصله ونسبه، أو خمول مكانة أبيه وجده، أو ضآلة شأن عشيرته وقبيلته. إذ لم تعد للأنساب تلك الأهمية البالغة التي كانت لها في سالف العهد، بعد همود حدة العصبيات القبلية وانصهار أكثر القبائل في بوتقة المجتمع المتحضرالحديث. فتركز الهجاء أو كاد، في إبراز المعايب الشخصية اللاصقة بذات المهجو وما تنطوي عليه نفسه من مثالب. وهذا المنحى أدخل في رحاب التصوير والفن، وأبعد عن مجال القذف والشتم.
وكثيراً ما كانت المهاجاة تستعر بين الشعراء أنفسهم فيكثر في قصائدهم ذكر المثالب والمعايب، وقد يتجاوزون الحدود إلى التحقير والتسفيه. وقد عرف بذلك بشار بن برد وأبو نواس وأبو عيينة المهلبي وابن الرومي ودعبل الخزاعي وعبد الصمد بن المعذل، حتى إن الأمر بلغ ببعضهم حد التعرض للخلفاء أنفسهم، شأن الشاعر الهجاء دعبل (ت246هـ/860م) الذي لم يتورع عن هجاء الرشيد و المأمون و المعتصم و الواثق. وقد قرن الخليفتين الأخيرين معاً في قوله:
خليفة مــات لــم يحزن له أحــد وآخر قام لم يفرح به أحـــد
كذلك تنوعت أنماط الهجاء تبعاً لتعدد أوجه الحياة في هذا المجتمع العباسي المتحضر. فابن الرومي (ت283هـ/896م) الذي عاش في عصر اكتظ بالجواري والقيان مثل جلنار وبستاق وبدعة وشاجي ودريرة وغناء وظلوم ووحيد وغيرهن من مطربات مجالس الولاة والوزراء، تعرض في شعره لهؤلاء وغيرهن كما تعرض معاصره البحتري وسواه، وكان طبيعياً أن يقرظ بعضهن إعجاباً بأصواتهن وأن يهجو أخريات لم يجد في غنائهن ما يروقه.
أما غرض الرثاء فمن الطبيعي أن تظل له منزلته السامية في النفوس لانبثاقه من عاطفة الحزن الواري في كل زمان ومكان. غير أن فن الرثاء ارتقى في هذا العصر، واكتسب غنى وعمقاً، بفضل شعراء كبار أبدعوا فيه وفي سائر أغراض الشعر، وفي طليعة شعراء الرثاء أبو تمام الذي قيل عنه «مداحة نواحة»، ومن بعده ابن الرومي الذي عرف برثاء أولاده.
كذلك افتن الشعراء في هذا الغرض تبعاً لتشابك العلاقات الاجتماعية في ذلك العصر، وتوطد صلاتهم مع أولي الأمر. إذ لم يمت خليفة ولا وزير، ولا قائد ولا عظيم، إلا رثوه رثاء حاراً وأبَّنوه تأبيناً رائعاً، مبرزين في قصائدهم كل ما كان يتحلى به الفقيد في حياته من مناقب وما كان له من فضل.
وكم ألمت بهذا العصر العباسي المديد أحداث جائحة وفتن طاغية وجدت لها في النفوس صدى أليماً وتجلت على ألسنة الشعراء مراثي دامعة. وحدث أن اجتاح الزنج البصرة في فتنة هوجاء حين زحفوا إليها من ظاهر المدينة، فاستباحوها وأعملوا فيها يد التخريب والتنكيل. وراع هذا النبأ الفاجع ابن الرومي فقال في رثاء المدينة المنكوبة قصيدة تعد من أروع الشعر مطلعها:
ذاد عــن مقلتي لذيــذ المنـــام شـــغلها عنه بالدموع الســـجام
ولم يكن هذا النمط من رثاء المدن معهوداً في الشعر العربي،ولكن أحوال ذلك العصر المتفجر اقتضت مواكبة الشعر لها. ولعل هذه القصيدة باكورة رثاء الممالك الذي أخذ في الظهور فيما بعد ولاسيما إثر سقوط بغداد بيد التتار القساة، وإثر تساقط دويلات المسلمين في الأندلس بيد الفرنجة.
وقد تستدعي حقيقة الموت من الشاعر أن يتأمل في طبيعة الحياة وحال الدنيا،فيكون له من ذلك نظرات وآراء،ولاسيما بعد أن تشبع الشعراء بأفكار ثقافات أغنت معارفهم وعقولهم، ومن هذا القبيل كثير من شعر أبي العتاهية في الوجود والعدم، والحياة والموت، والبقاء والفناء.
و لأبي العلاء المعري (ت449هـ/1058م) فلسفة أعمق في هذا الصدد تبعاً لغنى فكره ونفاذ بصيرته، حين عمد إلى رثاء صديقه الأثير أبي حمزة الفقيه في قصيدته المشهورة التي مطلعها:
غير مجــد فـي ملتي واعتقـادي نـــوح بــاك ولا ترنـــم شـــــاد
فقد استطاع أبو العلاء أن يحلق في أجواء علوية سامية وينظر من خلالها إلى الكون والحياة نظرة كلية شاملة وبذلك ارتفع في رثائه من نطاق الحادثة الفردية المحدودة إلى رحاب الإنسانية الشاملة.
كل ذلك يعني أن هذه المراثي تغاير في كثير من ملامحها معهود شعر الرثاء الذي يغلب عليه النواح وتبلل قوافيه الدموع.
